الشيخ الطبرسي

375

تفسير مجمع البيان

وقيل : إن يعقوب قال لهم : أروني القميص ؟ فأروه إياه ، فقال لهم ، لما رأى القميص صحيحا : يا بني ! والله ما عهدت كاليوم ذئبا أحلم من هذا . أكل ابني ولم يمزق قميصه ، عن الحسن . وروي أنه ألقى ثوبه على وجهه ، وقال : يا يوسف ! لقد أكلك ذئب رحيم ، أكل لحمك ، ولم يشق قميصك . ومعنى قوله ( بدم كذب ) : مكذوب عليه ، أوفيه كما يقال : ماء سكب أي : مسكوب ، وشراب صب أي : مصبوب ، قال الشاعر : تظل جيادهم نوحا عليهم * مقلدة أعنتها صفونا ( 1 ) أراد : نائحة عليهم . وقيل : إنه كان في قميص يوسف ثلاث آيات : حين قد من دبر ، وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرا ، وحين جاؤوا عليه بدم كذب . فتنبه يعقوب على أن الذئب لو أكله ، لمزق قميصه ، عن الشعبي . وقيل : إنه لما قال لهم يعقوب ذلك ، قالوا : بل قتله اللصوص ! فقال عليه السلام : فكيف قتلوه ، وتركوا قميصه ، وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله ؟ ( قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ) أي : قال يعقوب لهم إذ اتهمهم في يوسف : لم يأكله الذئب ، ولم يقتله اللصوص ، ولكن زينت لكم أنفسكم أمرا علمتموه ، عن قتادة . وقيل : سهل بعضكم لبعض أمرا في يوسف ، غير الذي فعلتموه ، حتى سهل عليكم فقتلتموه ، عن أبي مسلم ، والجبائي . وإنما رد يعقوب عليهم بوحي من الله عز اسمه . وقيل : كان ذلك حدسا بصائب رأيه ، وصادق ذهنه ( فصبر جميل ) أي : فصبري صبر جميل ، لا جزع فيه ، ولا شكوى إلى الناس . وقيل : فصبر جميل أحسن وأولى من الجزع الذي لا يغني شيئا . وقيل : إنما يكون الصبر جميلا إذا قصد به وجه الله تعالى ، وفعل للوجه الذي وجب . فلما كان الصبر في هذا الموضع واقعا على الوجه المحمود ، صح وصفه بذلك ، ذكره المرتضى ، قدس الله روحه . وقيل : إن البلاء نزل بيعقوب على كبره ، وبيوسف على صغره ، بلا ذنب كان منهما ، فأكب يعقوب على حزنه ، وانطلق يوسف في رقه ، وكل ذلك بعين الله ، يرى ويسمع ، حتى أتى بالمخرج ، وكل ذلك امتحان . ( والله المستعان على ما تصفون ) أي : بالله أستعين

--> ( 1 ) قائله عمرو بن كلثوم من ( المعلقة ) . وروايته فيها ( تركنا الخيل عاكفة عليه . ا . ه‍ ) صفونا جمع والصافن : الخيل إذا وقف على ثلاث قوائم ، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر .